السيد محمد تقي المدرسي
156
من هدى القرآن
السورة ، فبالرغم من اعتماد أبنائه على العناصر الفاضلة من الأسرة في تربيتهم ، إلا إنهم لا ينسون تطلعاتهم الاجتماعية . إذ يطمحون لإمامة المتقين ، وتنتهي السورة بذكر الدعاء الذي هو رد التحية من البشر لرسالة الرب سبحانه . يعني إمامة أفضل طبقة وفئة في المجتمع ، فقد يطمح الإنسان أن يكون إماما فقط ، أما عباد الرحمن فطموحهم قيادة الطليعة في المجتمع ، وهذا يدل على التطلع الواسع في البعد المستقبلي والحاضر لأبناء المجتمع الإسلامي الرحماني . فمن جهة يسعون لصياغة شخصية أبنائهم وفق المفاهيم الصادقة ، ليمتدوا عبر أولادهم كما أزواجهم عموديا في عمق الزمن . ومن جهة أخرى فأنهم يسعون جادين ليصبحوا قدوة لمن حولهم من الناس ، ليمتدوا أفقيا عبر أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه وفي أوسع رقعة من المكان . وهؤلاء بتطلعاتهم وسلوكهم هم الذين سيبنون حياة فاضلة في الدنيا ، ويجزون جزاء حسنا في الآخرة ، إذ يأمر الله الملائكة والطبيعة أن يكونا مسلمين لهم ، وعندما تكون الملائكة والطبيعة معا مسلمين لإنسان ما ، فحينئذ لا يخشى هذا الإنسان من شيء ، لأنه يشعر وكأن رب الطبيعة والملائكة وخالقها من جهة ، وذات الطبيعة والملائكة الموكلة بها من جهة أخرى ، يحبونه ويعينونه . ذلك لأن عباد الرحمن كانوا مسالمين مع أنفسهم ، وقد علموا أن دورهم بناء إنسان رسالي فاضل انطلاقا من ذواتهم ، وأمة رسالية فاضلة انطلاقا من أسرتهم ، وحضارة إسلامية متقدمة انطلاقا من مجتمعهم ، وكل ذلك في إطار السنن والقوانين الرسالية الصحيحة . وعلى العكس في كل ذلك من يرتكبون الجرائم ويقترفون الآثام ، فيضلوا أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم ، ولا يصلون إلى أهدافهم التي يطمحون إليها ، فتكون المعادلة عكسية إنسان منحرف ، أمة متخلفة ، نهاية حضارة أو مدنية - كما وصل إلى هذه النتيجة السابقون من الأقوام - قال تعالى : أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ( الفجر : 6 - 14 ) . سابعاً : في نهاية هذه السورة لفتة غريبة . فسورة الفرقان التي بدأت بذكر القرآن معبرة عنه بالفرقان ، أي الميزان بين الحق